هشام جعيط
22
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
الأنبار « 1 » ويوم عين التمر « 2 » ، ويوم دومة الجندل « 3 » . كانت عبارة عن هجمات عنيفة طلبا للغنيمة والتخويف ، وقد ذهب ضحيتها عرب الضاحية . فقتّلت النّمر وتغلب وأياد في عين التمر داخل الحصن ، واشتهر هذا الحصن لوجاهة الأسرى الفتيان الذين أسروا فيه ( ولا سيما سيرين ويسار ونصير ) . وقد واجه خالد في دومة الجندل قبائل كانت تقيم بين الشام والجزيرة هي بهراء وكلب وغسان وتنوخ . ندرك في هذا الصدد الوجه الجاهلي العروبي الموجود في الأيام ، إدراكا جيدا ، فضلا عن كونها تظهر أيضا بمظهر حروب الردة ، الذي لا يرحم غير المسلمين . فوقع تقتيل الأسرى العرب ، إلا من كانوا من كلب لأنهم كانوا في حماية حلف مبرم مع تميم . وعلى هذا النحو حصلت القطيعة مع عرب الضاحية في الجزيرة كما في العراق ، وانضمت العناصر الخارجية من ربيعة إلى الفرس « 4 » . عاد خالد بعد هذه الجولة العسكرية إلى الحيرة وهناك دعي إلى اللحاق بالشام ، فانتهت الأيام العراقية بعد نشوب بعض المعارك ، بيوم الفراض . وقد حددها أصحابها أنفسهم ، نعني أهل الأيام ، على هذا النحو من الوجهة الزمنية . وبرزت هذه التشكيلة كإحدى التشكيلات الاجتماعية المقبلة التي ستكون لها أهمية كبرى في الكوفة . الواقع أنه بقبولنا رواية هذه الأحداث على هذا النحو ، ندرك ما كان من تمجيد هؤلاء الرجال للأيام ، وندرك مبررات هذا التمجيد بصورة من الصور ، ذلك أن هذه الأيام تمثل الملحمة الكاملة - ولو بصورة مجملة ووتيرة لاهثة - لفتح العراق . مرحلة وسيطة : الجسر والبويب ( 13 - 14 ه / 634 - 635 ) إذا ارتأت حكومة المدينة لزوم توجيه خالد لنجدة جيوش الشام ولم تقم بالعملية المعاكسة على الرغم من الانتصارات الساحقة التي سجلتها الأيام ، فإن هذا يرجع إلى كون الجبهة الحقيقة الجدية والوحيدة التي تخضع لاستراتيجية موضوعة مسبقا هي جبهة الشام . الواقع أن العمليات التي وجهت ضد البيزنطيين بكامل الجدية ، أعطت نتائج إيجابية فورية بفضل انتصار أجنادين « 5 » ( جمادى الأول من سنة 13 / 634 ) الذي تمّ وأبو بكر على قيد الحياة .
--> ( 1 ) الطبري ، التاريخ ، ج 3 ، ص 373 - 375 . ( 2 ) الطبري ، المصدر نفسه ج 3 ، ص 376 - 377 . ( 3 ) الطبري ، ج 3 ، ص 378 - 380 . ( 4 ) اعتنقت الاسلام منذئذ بعض جماعات من ربيعة في العراق : الطبري ، التاريخ ، ج 3 ، ص 414 . هذا دون اعتبار الوثبة العرقية القومية التي دفعت بأفراد من ربيعة إلى الانضمام إلى اشقائهم العرب ، في وقعة القادسية وحتى قبل ذلك : المرجع نفسه ، ص 464 . ( 5 ) الطبري ، ج 3 ، ص 415 - 418 ، نقلا عن سيف بن عمر الذي لم يميز بين أجنادين واليرموك ( 15 ه / 636 ) ، -